أخبار وطنية الجمهورية تكشف تفاصيل ملف اختراق الجهاز الأمني صلب وزارة الداخلية
أثارت مؤخرا الشكاية التي قدمتها المنظمة التونسية للأمن والمواطن ضدّ مدير المواصلات السلكية واللاسلكية بوزارة الداخلية ضجة كبرى في الأوساط الأمنية والاعلامية، خاصة أن التهمة الموجهة الى المدير المذكور هي التستر على معلومات في غاية الخطورة والمتمثلة في تعرض أجهزة بث واستقبال قارة ومنقولة للسرقة، واستعمالها من قبل مجموعات ارهابية بجبلي الشعانبي وسمامة للتنصّت على مكالمات الأمنيين والرموز التي يستخدمونها في تحرّكاتهم ..
ويذكر أنه راجت اثر تداول هذه المعلومات عبر وسائل الاعلام أنه تم ايقاف مدير المواصلات السلكية واللاسلكية، الا أن مصادر أمنية رسمية سارعت بتكذيب هذا الخبر مشيرة الى أنه خبر عار من الصحّة ويندرج في إطار بثّ الإشاعة والبلبلة والتشكيك في المؤسّسة الأمنيّة...
ونظرا الى خطورة هذه المعلومات، بادرت أخبار الجمهورية بالاتصال بعدّة أطراف للوقوف على تفاصيل الحادثة وحيثياتها والاستماع الى كل وجهات النظر، فكان أن اتصلنا بكل من عصام الدردوري رئيس منظّمة الأمن والمواطن والنقابي الأمني وليد زروق والنقابي الأمني الحبيب الراشدي كاتب عام جمعية مراقب، كما بادرنا بالاتصال بالمكتب الاعلامي لوزارة الداخلية الذي رفض مدنا بأي تفاصيل عن الموضوع فما كان منا سوى الاتصال بطرقنا الخاصة بمهندس بمصلحة المواصلات السلكية واللاسلكية بوزارة الداخلية الذي مدنا بمعلومات تقنية تهم الموضوع ...
كما حاولنا من خلال هذا التحقيق معرفة إن كان هناك فعلا اختراق للأجهزة الأمنية بوزارة الداخلية ...؟ تابعونا..
عصام الدردوري: تجميد مسؤول أمني بعد تأكده من ادانة مدير المواصلات السلكية واللاسلكية
في البداية أفادنا عصام الدردوري رئيس منظّمة الأمن والمواطن، أن قرابة 25 عونا واطارا من ادارة المواصلات السلكية واللاسلكية التابعة لوزارة الداخلية اتصلوا بالمنظمة وسلّموها شكاية مفادها أن المجموعات الارهابية المتمركزة بجبل الشعانبي وجبل سمامة تتنصت على مكالمات الأمنيين والرموز التي يستعملونها في تحركاتهم وذلك عبر اختراق الشبكات الراديوية السلكية واللاسلكية من محطات الربط غير المؤمنة.
مبيّنا أنّه تم إعلام مدير المواصلات السلكية واللاسلكية الحالي بتعرض أجهزة بث واستقبال قارة ومنقولة للسرقة في أماكن عديدة الا أنّه تستر على تلك المعلومات.
كما أشار الدردوري الى أن الأعوان بادروا باعلام التفقّدية العامة للأمن الوطني لكن رئيسها تغاضى عن الموضوع حسب تعبير محدثنا الذي استدرك قائلا بان رئيس التفقدية هو سيف الدين عبد اللطيف وهو ابن خالة الارهابي ابو عياض.
وفي نفس السياق بيّن رئيس منظّمة الأمن والمواطن أن أحد الكوادر الأمنية بوزارة الداخلية استجوب الأمنيين المذكورين أعلاه وتأكد من صحة المعلومات التي تدين مدير ادارة المواصلات السلكية واللاسلكية الا أنه تمت نقلة هذا "الكادر" الأمني وتجميده بأحد مدارس التكوين ..
وأكد محدثنا أنه ونظرا الى عدم التعامل الجدّي مع موضوع في غاية الأهمية ارتأت المنظمة التمسّك بتتبع مدير ادارة المواصلات السلكية واللاسلكية معتبرة اياه قد سهّل العمليات الارهابية من خلال تنصّت الارهابيين على الأمنيين.
وذكر الدردوري أن أجهزة البث والاستقبال المسروقة بحوالي 100 قناة وهو ما يسمح للارهابيين بالتنصت والاستماع لجميع المكالمات الراديوية التي تدور بين الوحدات الأمنية من شرطة وحرس وذلك بعد اضافة لاقط هوائي وحاشدة كهربائية للأجهزة المسروقة وبالتالي تصبح التحركات الأمنية مكشوفة من طرف الارهابيين.
وبين الدردوري أن أغلب محطات الربط بكامل تراب الجمهورية والتي تؤمن المكالمات الراديوية القريبة والبعيدة المدى بين جميع الوحدات الأمنية غير محروسة وعرضة للاقتحام والسرقة وخاصة الحدودية منها مشيرة الى أنه تم اقتحام كل من محطة الربط بدقاش ومحطة الربط بالماتلين والقصرين.
واستغرب محدثنا من عدم ابعاد مدير ادارة المواصلات السلكية واللاسلكية عن منصبه الى حين انتهاء البحث الاداري واثبات التهمة من عدمها ...
وبخصوص اختراق الجهاز الأمني أكد الدردوري أن المنظمة ستلتجأ الى رفع مجموعة من القضايا ضدّ عدد من المسؤولين الذين يتم توظيفهم من قبل مجموعات ارهابية، والذين ساهموا في اختراق المؤسسة الأمنية وتفشي ظاهرة الارهاب وتكوين جهاز أمن مواز والذان تسببا في عجز المؤسسة الأمنية.
وأشار الدردوري الى أن المنظمة ستقاضي أيضا أطرافا سياسية شغلت مهاما في ديوان الوزير السابق للداخلية علي العريض، ومن الشخصيات التي تنوي المنظمة مقاضاتها حسب ما أفادنا به عصام الدردوري نذكر المدير العام السابق للمصالح المختصة محرز الزواري ورئيس فرقة حماية الطائرات بمطار تونس قرطاج عبد الكريم العبيدي والملحق الأمني الحالي بسفارة تونس بمصر فتحي بوصيدة.
الحبيب الراشدي : اختراق الجهاز الأمني انطلق مع حلّ جهاز الأمن
أما النقابي الأمني وكاتب عام جمعية مراقب الحبيب الراشدي فأكد لنا أن اختراق الجهاز الأمني انطلق مع حلّ جهاز أمن الدولة، هذا الجهاز الذي كان يراقب جميع الأجهزة ويتعامل مع جهات أجنبية، وذكر الراشدي أن حلّ جهاز أمن الدولة كان الهدف منه هو اختراق الجهاز الأمني وتسهيل عملية تحرّك المشبوهين بكل حرية ..
من جهة أخرى بيّن الحبيب الراشدي أن الاختراق تمّ منذ تغيير حراس الغابات بجبل الشعانبي وغيره من الجبال التي تتمركز فيها المجموعات الارهابية رغم كفاءة الحراس المتخلى عن خدماتهم وتلقّيهم لأفضل التدريبات وتعويضهم بحراس موالين لأحزاب معيّنة ..
وذكر الراشدي أنه تم توفير معلومات هامة الى وزارة الداخلية وقائمة اسمية للأمن الموازي داخل الوزارة، لكن تم في المقابل ابعاد جزء منهم والابقاء على الآخرين مؤكدا أن الاختراق كان مقصودا قصد توفير معلومات معيّنة للمجموعات الارهابية ..
وبخصوص الشكاية المقدمة ضدّ مدير ادارة المواصلات السلكية واللاسلكية فأكد الراشدي أن التهمة الموجهة الى هذا الأخير تدخل في خانة الخيانة العظمى، وأكد ضرورة ابعاد المشتكي به الى حين انتهاء التحقيقات
وطالب الراشدي بضرورة تتبع وعدم التسامح مع كل مسؤول ساهم في اختراق المؤسسة الأمنية والمساهمة في تفشّي الإرهاب وانتشاره.
وليد زروق: المجموعة الارهابية اتصلت بقاعة الاتصالات المركزية بعد حادثة منزل بن جدّو
من جهته بيّن النقابي الأمني وليد زروق أنه تم فعلا اختراق أجهزة الاتصال الخاصة بوزارة الداخلية حيث أكد أن المجموعة الارهابية التي اعتدت في وقت سابق على منزل وزير الداخلية لطفي بن جدو بالقصرين إتصلت بقاعة الاتصالات المركزية بوزارة الداخلية وهددت الأمنيين بالتصفية الجسدية واصفة اياهم "بالطواغيت" وأشار وليد زروق أن هذه الحادثة هي خير دليل على اختراق أجهزة الاتصال بالوزارة ..
واشار وليد زروق الى ان أضعف الايمان في هذا الملف الحارق هو احالة المشتكى به على أنظار القضاء وقال:" من المفروض احالة القضية على انظار القضاة المهتمين بالقضايا الارهابية ".
وفي سياق متصل أضاف زروق أن وزير الداخلية لطفي بن جدّو برهن "فشله" ولم يجتهد في تحييد المؤسسة الأمنية حدّ تعبيره مبينا أن وزير الداخلية السابق علي العريض ترك لبن جدّو ارثا كبيرا لم يستطع هذا الأخير السيطرة عليه، حيث ذكر محدثنا أن علي العريض ساهم بفضل أجهزته ومستشاريه في دعم الارهاب والتورط في قضايا ارهابية وتكوين أمن مواز مستشهدا بحادثة جامع الفتح وتهريب الارهابي أبو عياض الذي هرب حسب تصريحات وليد زروق بواسطة سيارة عون من وزارة الداخلية الى جهة بن عروس .
وافادنا وليد زروق ان اختراق الجهاز الأمني نابع من انعدام الارادة السياسية وعدم صدقها وعجزها عن فتح ملفات ملطخة بدماء المواطنيين والسياسين والأمنيين ..
وأكد وليد زروق أن اختراق الجهاز الأمني يظهر جليا في عدم رغبة بعض الأطراف في فتح ملفات بها معطيات خطيرة تثبت تورط وزارة الداخلية في قضايا ارهابية وعلاقة بعض الأعوان بالمجموعات الارهابية المتحصنة بجبل الشعانبي، كما أشار وليد زروق الى القاء القبض على أعوان أمن في عمليات ارهابية ..ومن النقاط الأخرى التي وضحها محدثنا والتي تبرز جليا اختراق الجهاز الامني هي مسألة التعيينات والانتدابات لأشخاص متمتعين بالعفو التشريعي العام والذين يظهر تاريخهم انتمائهم الى حركة حزبية معينة مؤكدا ان هذه الانتدابات حصلت دون الالتجاء الى بحث أمني ..
ختاما بين وليد زروق أن الحكومة القادمة ينتظرها عمل جبار للقضاء على الامن الموازي داخل وزارة الداخلية وتحييد المؤسسة الامنية مؤكدا أن هذه الحكومة مطالبة بالتخلي عن انتمائها الحزبي وخدمة مصلحة البلاد من خلال التعاطي الجيّد مع ملفات سبق أن قدّمت الى الحكومات المتتالية لكن لم يقع التعامل معها بجدية وتجنب الصفقات السياسية التي تم حبكها بهدف عدم فتح ملفات أمنية، مشيرا الى ان حكومة مهدي جمعة كانت حكومة ضعيفة جدا، حيث لم يف رئيس الحكومة بالتعهدات التي التزم بها في الحوار الوطني والمتمثلة في مراجعة التعيينات وفتح ملفات الاغتيالات السياسية.
موقف وزارة الداخلية: لهذا يصعب سرقة واستخدام أجهزة البث والاستقبال
من جهة أخرى تمكنا من الاتصال بأحد المهندسين بادارة المواصلات السلكية واللاسلكية بوزارة الداخلية والذي رفض الادلاء باسمه، وفي المقابل أكد لنا في بداية حديثنا معه أن كل ما راج حول تعرض أجهزة بث واستقبال قارة ومنقولة للسرقة، واستعمالها من قبل مجموعات ارهابية بجبلي الشعانبي والسمامة للتنصت على مكالمات الأمنيين والرموز التي يستخدمونها في تحركاتهم، هي مجرد أكاذيب لا أساس لها من الصحة، مشيرا الى أن التنصت على الوحدات الأمنية غير ممكن من الناحية التقنية ..
ومدنا محدثنا ببعض التفاصيل التقنية التي تفند كل ما راج عن استعمال مجموعات ارهابية لأجهزة البث الخاصة بالأمنيين، حيث أكد أنه في صورة تعرض أي جهاز بث للسرقة اثناء عمليات اقتحام تتخذ وزارة الداخلية مجموعة من الاجراءات التقنية التي تعطل تلك الأجهزة ويصعب بالتالي استخدامها من قبل أي شخص، وتتمثل هذه الاجراءات في تغيير التردّدات الخاصة بتلك الأجهزة وهي عملية بسيطة حد تعبير محدثنا ...
كما أفادنا مصدرنا أن وزارة الداخلية تتفطن لأول اتصال من الجهاز المسروق، حيث يظهر لها رقم الجهاز ومكان وجوده.
وبين محدثنا انه يوجد نوعان من أجهزة البث والاستقبال وهي جهاز بث واستقبال 2 متر وهي أجهزة متنقلة ويدوية وذات ترددات جدّ عالية وجهاز 4 متر والذي تكون تغطيته أفضل لكنه جهاز قارعادة ما يتم وضعه داخل السيارات الأمنية، اضافة الى محطات الربط والتي يقع استعمالها لتوسيع التغطية الراديوية والتي لا يمكن لأي كان اقتحامها وهو عكس ما أكدته منظمة الأمن والمواطن التي اكدت أن أغلب محطات الربط بكامل تراب الجمهورية والتي تؤمن المكالمات الراديوية القريبة والبعيدة المدى بين جميع الوحدات الامنية غير محروسة وعرضة للاقتحام والسرقة...وأشار محدثنا الى أنه في صورة سرقة هذه الأجهزة تقوم الوزارة بتغيير الترددات واعادة برمجتها مبينا ان لكل وحدة أمنية تردد خاص بها وبالتالي تسهل عملية التحكم في تلك الأجهزة خاصة أن عددها في كل وحدة لا يتجاوز ال70 جهازا .
وافادنا مصدرنا ان وزارة الداخلية تتفطن لكل عملية سرقة أو ضياع لجهاز البث حيث أن كل أمني مطالب باعادة جهازة مع انتهاء الدوام واذا تم الابلاغ عن ضياع أي جهاز تقوم وحدة الاتصالات السلكية واللاسلكية بتغيير الترددات فورا مشيرا الى أن مستخدم الجهاز لا يمكنه التحكم في التردد أو ادخال اي تردد جديد، وبالتالي لا يمكنه استخدامه أو التنصت من خلالها ..
وفي نفس السياق بين محدثنا أن الاتحاد الدولي للاتصالات هو من يقوم بعملية توزيع الترددات على الأجهزة الأمنية بمختلف دول العالم أي أن الامور مقننة على المستوى العالمي ولا يمكن لاي جهة الاطلاع على هذه الترددات ..
وفي الختام افادنا محدثنا انه تم فتح تحقيق اداري في الغرض لكنه لم يقع ايقاف رئيس ادارة الاتصالات السلكية واللاسلكية ولم يسرق أي جهاز بث واستقبال والا لكانت الوزارة اتخذت كل الاجراءات الوقائية مبينا أن من روّج هذه الاخبار لا يمتلك المعلومات الشافية عن طريقة عمل هذه الأجهزة والا لكان عدل عن فكرة ترويج هذه الأخبار المضحكة ...
من جهتنا، وبعد الشهادات المذكورة للنقابيين وموقف الوزارة، يحق لنا ان نستنتج بعد الاستماع الى كل الأطراف أن ما يحدث صلب وزارة الداخلية مثير للريبة، فاذا اثبتت التحقيقات صحة هذه الأخبار فمن الخطير جدا معرفة ان المجموعات الارهابية تتنصت على تحركات الامنيين واذا ثبت عكس ذلك وان كل ما قيل مجرد شائعات فيحق لنا ان نتساءل عن سرّ صمت وزارة الداخلية وعدم محاسبتها لمروّجي هذه الأخبار وضرب مصداقية وحيادية وزارة سيادة ...
ملف قابل للتطور وسنوافيكم بمستجداته في الابان.
اعداد : سناء الماجري